محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
47
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
العنف ، التقديس ، الحقيقة ذكرت فيما سبق أني أريد دراسة موضوعين كبيرين لكي أجسّد عمليا برنامجي في نقد العقل الإسلامي . هذان الموضوعان هما : التركيبة المجازية للخطاب القرآني ، وقراءة انتربولوجية لسورة التوبة . أريد القيام بذلك لكي أبيّن كيف أن العنف ، والتقديس ، والحقيقة تشكّل ثلاث قوى متداخلة ومتفاعلة . وهي قوى تتحكّم بمفصلة المعنى ( أو بتشكيل المعنى ) وتحديد المشروعية المعتمدة في الخطاب الديني كما هو متجسّد في القرآن والكتابات المقدسة الأخرى . لقد كرست وقتا كبيرا جدا ، وكذلك طاقة كبيرة لبلورة هذه المقاربات المهمّة شفهيا ، وذلك من خلال المحاضرات التي ألقيتها في زوايا العالم الأربع ( في : أمريكا ، وأوروبا ، وإفريقيا وآسيا ) . وهكذا تأخرت في إنجاز هذين المشروعين كتابة . ولكنّي ما زلت آمل في امكانية انجازهما . وقد حاولت جاهدا أن أدفع بعض تلامذتي للبحث في هذين الاتجاهين ، ولكنّي كنت أسمع منهم دائما نفس الجواب : المسلمون يعارضون دراسة القرآن من خلال المفاهيم المعتبرة « خطرة » في ظل المناخ الايديولوجي الحالي . لا ، إنّ بعض المسلمين يقبلون بالمناهج الجديدة الاستكشافية ، ولكنهم يجدون من الصعب جدا إنجاز هذه الدراسات الجادّة في الوقت المخصّص لإعداد أطروحة دكتوراه . بدراستنا للمثلث المفهومي « عنف ، تقديس ، حقيقة » ، نستطيع أن نذهب بعيدا أكثر في محاولتنا للتفكير في « اللامفكّر فيه » الضخم والمتراكم في الفكر الإسلامي الموروث والمعاصر . ونقصد باللامفكّر فيه الضخم هنا الكشف عن تاريخية الخطاب الديني مع علاقته بالخطاب التأريخي الأكثر عمومية وشمولية . نحن نعلم أن مسألة التاريخية اتخذت مكانة مركزية بالنسبة للفكر الحديث بدءا من القرن الثامن عشر . وهي تحليل في آن معا إلى الممارسة التوسعية للتاريخ النقدي بصفته علما شاملا داخل العلوم الاجتماعية ، ثم إلى تأثير هذا العلم على البحث الفلسفي . ونقصد بذلك تأثيره على فيكو « * » ( 1668 - 1744 ) ،
--> * فيكو Vico : هو أول مفكّر في الغرب يبلور مفهوم التاريخية ، أي ينصّ على أن البشر هم الذين يصنعون التاريخ ، وليس القوى الغيبية كما يتوهمون . وبالتالي فالتاريخ كله بشري من أقصاه إلى أقصاه . وقد اعترف له بذلك فيما بعد كل من هيغل وكروتشه . ولكن أصالته الابتكارية لم تتوقف عند هذا الحد . فقد رفض أن تكون فكرة الحضارة قد أو حيت للإنسان ، وقال بأن أفضل طريقة . لدراسة التاريخ البشري هي الطريقة الفيلولوجية المقارنة . فمنهجية المقارنة بين مختلف الحضارات التي شهدتها البشرية تشبه المنهجية التجريبية في العلوم الطبيعية . وعن طريق دراستنا لتطور اللغة تظهر لنا التحولات الاجتماعية التي طرأت على الشعوب . فاللغة هي مرآة الشعب . ولذا ينبغي تأليف قاموس تاريخي للغة لكي تتبدّى المراحل التاريخية المتتابعة التي مرّ بها الشعب منذ قديم الأزمان وحتى اليوم . ولكن حتى تاريخية فيكو كانت لها محدوديتها . فهو يقول مثلا بأن الدين .